السيد كمال الحيدري

208

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

أكبر منها ، في قبال الاستدلال الاستقرائي الذي تكون النتيجة المتحصّلة فيه أكبر من المقدّمات . وهذا النهج الذي يشكّل الأساس لثقتنا اليقينية بالقضايا المتواترة يشابه تماماً التصديق بأنّ الاتفاق لا يكون دائمياً ، الذي جعله المنطق الأرسطي أساساً للقضايا التجريبية والحدسية . فكما لا يكون الاتفاق دائمياً كذلك لا يكون الكذب دائمياً ، فإذا اطّرد الإخبار عن شيء معيّن من عدد كبير من المخبرين عرفنا أن القضية التي اتّفقوا على الإخبار عنها صادقة . فلو اشترك عدد كبير من الناس في احتفال وبعد انتهائه سألنا كلّ واحد منهم عن الشخص الذي حاضَرَ في ذلك الاحتفال ، فجاءت الأجوبة كلّها تؤكّد أن فلاناً هو الذي ألقى محاضرة في ذلك الحفل ، كانت هذه القضية متواترة ويقينية الصدق في رأي المنطق الأرسطي ، لأنّ الكذب لا يكون دائمياً . والموقف من التصديق بأنّ الكذب لا يكون دائمياً أو التصديق بامتناع اتفاق عدد كبير من الناس على الكذب ، هو الموقف من التصديق بأنّ الاتفاق ( الصدفة النسبية ) لا يكون دائمياً ، ويكفي لنفي كونه تصديقاً عقلياً أولياً نفس الحجج والمناقشات التي عرضناها عند مناقشة الطابع العقلي القبلي المزعوم للقضية القائلة بأنّ الاتفاق لا يكون دائمياً . وإنما هذه الكبريات بأنفسها قضايا تثبت بالاستقراء والمشاهدات أي أنها قضايا غير أوّلية ، بحيث لو قطعنا النظر عن العلم الخارجي ومقدار تكرّر الصدفة أو التواطؤ على الكذب فيها لكنّا نحتمل عقلًا تكرّر الصدفة دائماً والتواطؤ على الكذب من جمع غفير ، وإنما ننفي ذلك بعد التجربة والمشاهدة لعالم الخارج . وليس حكم عقولنا في مثل هذه القضايا كحكمه باستحالة اجتماع النقيضين .